عندما ينتصر عشق الطبيعة والمسئولية على التغير المناخي: (بركة العرايس كنموذج) بقلم الأستاذ الدكتور بشير جرار

تقع بركة العرايس بين سلسلة جبال بالقرب من قرية ملكا التابعة للواء بني كنانة في مدينة إربد، وبالقرب من الحمة الأردنية وقرية المخيبة الفوقا وسد الوحدة الأردني ومقابل هضبة الجولان المحتلة.  ويفصل بينها وبين هضبة الجولان ونهر اليرموك وهي على بعد 110 كم عن العاصمة عمان. وتقع منطقة البركة ضمن اختصاص سلطة وادي الأردن . تبلغ مساحة مسطح البركة المائي عشرة دونمات ويقدر عمقها بأكثر من خمسين مترا، ويعتمد التخزين المائي في البركة على مياه الأمطار ومجموعة من العيون المائية والينابيع. تحتضن بركة العرايس عدد من الحيوانات المهمة علاوة على أنها مسار للطيور المهاجرة من أوروبا إلى إفريقيا والعكس. وشكلت بركة العرايس عبر آلاف السنين صومعة لسكان المنطقة والقاصدين لها رغبة بالإستجمام والتخلص من التوتر والإضطراب.

    بركة العرايس إرث تراثي مزدهر وموقع سياحي باهر، سجلت منذ عهد الرومان قبل الفي عام وعرفها الأمويون وكل الحضارات المتعاقبة على الأردن. يعود سبب تسميتها بسبب أن العرائس من المنطقة المحيطة بالبركة اعتادت أن تأتي قبل الزفاف لتمسح بمائها على يديها وشعرها تبركاَ بمائها. ويذكر سكان بعض المنطقة أنه بأحد حفلات الزفاف قدمت فيضانات قوية قتلت العروسين ومن كان موجوداً بالقرب من البركة.

وبحسب الباحث  في مجال البيئة وصون الطبيعة الدكتور أحمد الشريده، تضم بركة العرايس ومحيطها حوالي 63% من التنوع الحيوي النباتي والحيواني في الاردن. وقد تم تسجيل  العديد من الكائنات المائية التي سجلت بهذه البركة وأصبحت مهددة بالإنقراض منها: السلحفاة الإغريقية والضفدع الأخضر، ضفدع المستنقعات، وهو العلجوم الوحيد الموجود في الأردن وضفدع الأشجار. كما يمر بهذه البركة سنوياً أكثر من مليون ونصف نوع من الطيور المقيمة أو مهاجرة من أبرزها كل منصائد السمك الأبقع، مالك الحزين الرمادي، البلشون الليلي، البلشون الأبيض، بلشون الماشية، الزقزاق الشامي، الوروار الأوروبي، الغرة، دجاجة الماء، الغطّاس، وعدة أنواع من البط. ومن ثدييات البركة كل من النمس المصري، الثعلب الأحمر (الشوندري)، ابن آوى، الذئب العربي، الضبع المخطط (الضبع السوري)، القط البري، والقنفذ الأوروبي. إضافة لعدد كبير من أنواع السحالي لا سيما الأوزاغ، والحراذين وغيرها من السحالي. ويحيط بمنطقة البركة أشجار البلوط والزعرور والعبهر والقيقب وغيرها، إضافة إلى مزارع الزيتون وأكثر من ألفي نوع من االنباتات العشبية والعطرية والطبية.  

    أصاب بركة العرايس جفاف شديد صيف العام الماضي (2025م)، وكانت على وشك أن تمحى من ذاكرة الإنسان والمكان وأن تغيب عنها الحياة. ويعتقد علماء البيئة والمناخ أن ذلك يعود للتغيرات المناخية التي عصفت بالمنطقة خلال السنوات الماضية التي أثرت بشكل مباشر على التزويد الهيدرولوجي للبركة. فقد تراجعت كميات الامطار الهاطلة على مناطق تزويد البركة مما أدى إلى انحسار مساحة البركة إلى أقل من 1500متراً مربعاً. وفاقم من ذلك إرتفاع درجات الحرارة في تلك المنطقة التي تنخفض 150متراً تحت مستوى سطح البحر، وبالتالي إرتفعت نسبة التبخر إلى مستويات غير مسبوقة حتى وصل الحال إلى جفاف البركة خلال الصيف الفائت لعام 2025م. فقد شهدت المنطقة موسمًا مطريًا (2024-2025) بمعدل 255 ملم كأضعف المواسم في تاريخ الأردن مما سبّب تراجعًا شديدًا في المياه المغذية للبركة.

     بفضل الله عادت بركة العرايس إلى سحر الطبيعة وذاكرة المكان وجماله بسببب موسم مطري وفير لهذا العام ومن ثم بفضل الجهود المسؤولة من الجهات ذات العلاقة بالبركة لا سيما سلطة وادي الأردن والجمعية الأردنية لحماية الطبيعة حيث تم ضخ الماء إلى البركة من أحد الأبار الإرتوازية بالمنطقة وبمعدل 20-30 متر مكعب بالثانية.