الرئيسية / أخبار الكليّات / كليّة العلوم والزراعة / جائحة كورونا فركة أذن أمام الإنفلونزا الإسبانية التي أرت أجدادنا نجوم الظهر – بقلم الأستاذ الدكتور بشير جرار

جائحة كورونا فركة أذن أمام الإنفلونزا الإسبانية التي أرت أجدادنا نجوم الظهر – بقلم الأستاذ الدكتور بشير جرار

انتشرت الانفلونزا الإسبانية بالعالم في الأشهر الأخيرة من الحرب العالمية الاولى وأصابت نصف البشر وخلفت ملايين القتلى. وتقدر الدراسات أن حوالي 500 مليون شخص أصيبوا بفيروس الانفلونزا الإسباني وأظهروا علامات واضحة بالإصابة، وما بين 50 إلى 100 مليون شخصا توفوا جراء الإصابة بالمرض أي ما يعادل ضعف المتوفيين في الحرب العالمية الأولى. وقد مرت الانفلونزا الإسبانية بثلاث مراحل وتمت مواجهتها من خلال مناعة القطيع (المناعة الجماعية) على قاعدة أن لا تفعل شيئاً ثم بعدها من خلال إجراء الحجر الصحي. منعت الرقابة العسكرية في الدول المتحاربة بالحرب العالمية الآولى نشر التقارير المتعلقة بانتشار جائحة الانفلونزا الإسبانية خاصة عدد الوفيات بينما كانت تخرج التقارير من اسبانيا التي لم تشارك بهذه الحرب المجنونة ولم تفرض رقابةً في وقت الحرب مما خلف انطباعاً بأن اسبانيا هي بؤرتها الساخنة وسمي الوباء بالانفلونزا الإسبانية.

يعتقد أن فيروس الانفلونزا الإسبانية بدأت من الصين في البداية حيث كان يعمل حوالي 96 ألف عامل صيني خلف القوات الفرنسية والبريطانية في الجبهة الغربية للحرب العالمية الآولى ثم تطور لاحقًا في الولايات المتحدة بالقرب من بوسطن وانتشرت من هناك إلى وفرنسا وساحات القتال في أوروبا والعالم من خلال جنود الحلفاء والبحارة الذين كانوا الناشرين الرئيسيين لهذه الجائحة. وسارعت ثكنات الجنود المكتظة وتحركات المشاة الهائلة من وتيرة انتشار هذا الوباء حيث كان الجنود يعيشون في خنادق ضيقة قذرة رطبة مزدحمة.

كانت الغالبية العظمى من ضحايا الانفلونزا الإسبانية من البالغين والشباب بعكس كورونا التي استهدف كبار السن والأطفال والأشخاص المرضى أو ضعيفي المناعة. يعتقد علماء الأوبئة أن فيروس الانفلونزا الإسبانية تسبب في عاصفة السيتوكين والتي تدمر نظام المناعة الأقوى لدى الشباب. وقد حصدت الانفلونزا الإسبانية حوالي 17 مليون شخص من الهند وحدها و390 ألف حالة وفاة في اليابان، وأصيب حوالي 28% من السكان في الولايات المتحدة الأمريكية بالمرض وحصدت أرواح ما بين 500 و 675 ألف شخص، وخسرت بريطانيا أكثر من 250 ألف ضحية وفرنسا حوالي 400 ألف.. وقد تسبب الوباء بنشر سوء التغذية وسوء النظافة الصحية في المخيمات الطبية المكتظة والمستشفيات مما عزز من نشر العدوى البكتيرية الإضافية التي قتلت معظم الضحايا على فراش الموت في منازلهم أو على أسرة المستشفيات وبين الجنود في خنادق المحاربين.

ومن المظاهر المشتركة بين جائحتي كورونا والانفلونزا الإسبانية الآتي:

– كلاهما يتسبب في عاصفة السيتوكين (Cytokine storm) المسئول عن متاعب الجهاز التنفسي التي تؤدي للوفاة بسبب الاختناق الناتج عن نزيف أاتهاب المجاري التنفسية,

– العطس هو وسيلة نشر الوباء حيث عطسة واحدة تنشر معها نصف مليون فيروس إلى جوار العاطس.

– تدل كل المؤشرات على أن فيروس كورونا يتبع نمطاً موسمياً مشابهاً للإنفلونزا الإسبانية.

– أدت الانفلونزا الإسبانية إلى انهيار الخدمات الطبية في كثير من بلدان العالم.

– كانت النصائح الأساسية للناس من قبل المؤسسات الطبية بالامتناع عن المصافحة وملازمة المنازل وارتداء الأقنعة.

– أغلقت المدارس والكنائس والمسارح ودور السنما والمتاجر وصالونات الحلاقة أبوابها.

– تمرد بعض الناس على لبس الأقنعة وذهب بعضهم للسجن بسبب عدم ارتدائها أو رفض دفع الغرامات.

– رفض أهالي المتوفين استلام الجثث التي كان يتم حرقها واكتفوا باشعال الشموع.

– قتلت الانفلونزا الإسبانية عدد كبير من الأطباء والممرضين.

دخلت الانفلونزا الإسبانية البلدان العربية بالبداية إلى مصرمن خلال السفن البريطانية والفرنسية وأصابت عشرات الاف ودخل الوباء العراق من خلال الجنود الهنود المصابين والمشاركين مع الجيش البريطاني. وقد كانت موانيء الاسكندرية وبور سعيد وحيفا ويافا وطبريا البوابات الرئيسية لدخول الوباء لمصر وبلاد الشام. وكما انتقلت الإصابات بسرعة من مصر لبلاد الشام من خلال قوات الحملة المصرية التابعة للجيش البريطاني التي بلغ تعدادها 100 ألف جندي. وترافق ذلك مع حصار سواحل بلاد الشام من قبل القوات البريطانية لقطع الإمدادات عن القوات العثمانية في سائر بلاد الشام. وأدى هذا الأمر إلى انتشار الوباء ومئات بل الاف الوفيات يومياً مما جعل المنطقة العربية على درجة كبيرة من الضعف بسبب المجاعات والأوبئة المختلفة وأجبر الحكم العثماني على الرحيل وسقطت دمشق وهيأ الظرف لتفيذ المشروع الصهيوني في فلسطين لا سيما وعد بلفور المشئوم واتفاقية سايكس بيكو. وأكثر مناطق بلاد الشام تأثراً كانت الأراضي اللبنانية واعتادت مدينة بيروت أن تدفن يومياً أكثر من 100 شخص ويقدر بأن حوالي نصف اللبنانيون قضوا بهذه الجائحة. وقد أطلق أهالي فلسطين على هذه السنة لقب “سنة السخنة” و “سنة الوقع” حيث من أصابه المرض كانت ترتفع حرارته ثم بعد يومين بالأكثر يقع صريع المرض وكانت المقابر دائمة الاكتضاض بمن يقومون بواجب دفن الموتى. ويقدر عدد من توفي من سكان بلاد الشام بسبب الانفلونزا الإسبانية بحوالي نصف مليون شخص.

كما تفشت الانفلونزا الإسبانية في الجزيرة العربية حيث تفشى المرض بين قوة الحجاز العثمانية وأصيب به فخري باشا قائد القوات العثمانية وكان ذلك سبباً في استسلامه وليس بسبب قوات الحلفاء.

وبعد ألا تتفقون معي أن كورونا لا تزيد عن فركة أذن أمام الإنفلونزا الاسبانية التي أدمت قلوب أجدادنا وأرتهم نجوم الظهر. نسأل الله السلامة للجميع